الآلوسي

3

تفسير الآلوسي

محبته تعالى يعني لله سبحانه اختصاص في عدم محبته ليس لأحد غيره ذلك . فإن قيل : ما بعد * ( إلا ) * حينئذ لا يكون فاعلاً وهو ظاهر فتعين البدل وهو غلط ، أجيب بأنه إنما يكون غلطاً لو لم يكن هذا الخاص في موقع العام ، ولم يكن المعنى ما جاءني أحد إلا عمرو فإن قيل : فيكون لفظ * ( الله ) * مجازاً عن أحد ولا سبيل إليه ، أجيب بأن لا يحب الله مؤل بلا يحب أحد ، وواقع موقعه من غير تجوز في لفظ * ( الله ) * كذا قيل ، وتعقبه الشهاب بأن المستثنى منه إذا كان عاماً ، فإما بتقدير لفظ - كما ذكره أبو حيان - وإما بالتجوز في لفظ العلم ، وكلاهما مرّ ما فيه ، ولا طريق آخر للعموم ، فما ذكره المجيب لا بد من بيان طريقه اللهم إلا أن يقال : إن الاستثناء من العلم يشترط فيه أن يكون صاحبه أحق بالحكم بحيث إذا نفى عنه يعلم نفيه عن غيره بالطريق الأولى من غير تقدير ولا تجوز فيقال هنا مثلاً : إذا لم يحب الله سبحانه الجهر بالسوء وهو الغني عن جميع الأشياء فغيره لا يحبه بطريق من الطرق ، وأنت تعلم أن هذا لا يشفي الغليل لأن الاشتراط المذكور مما لم يقم عليه دليل ، على أن دعوى كون نفي حب الجهر بالسوء عنه تعالى يعلم منه نفيه عن غيره بالطريق الأولى في غاية الخفاء ، فالأولى ما ذكره بعد بأن يقال يقدر في الكلام ما ذكر لكنه عند الاستثناء منقطعاً بحسب المتبادر ، والنظر إلى الظاهر . وجوّز على قراءة المعلوم أن يكون متعلقاً بالسوء أي إلا سوء من ظلم فيجب الجهر به ويقبله ، وقيل : إنه متعلق بقوله تعالى : * ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ) * ( النساء : 147 ) فقد روي عن الضحاك بن مزاحم أنه كان يقول هذا على التقديم والتأخير ، أي - ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ، إلا من ظلم - وكان يقرأها كذلك ، ولا يكاد يقبل هذا في تخريج كلام الله تعالى العزيز . * ( وَكَانَ اللَّهُ سَميعاً ) * بجميع المسموعات فيندرج فيها كلام المظلوم والظالم * ( عَليماً ) * بجميع المعلومات التي من جملتها حال المظلوم والظالم ، والجملة تذييل مقرر لما يفيده الاستثناء ولا يأبى ذلك التعميم كما توهم . ووجه ربط هذه الآية بما قبلها - على ما قاله العلامة الطيبي - أنه سبحانه لما فرغ من بيان إيراد رحمته وتقرير إظهار رأفته جاء بقوله جل وعلا : * ( لا يحب الله الجهر بالسوء ) * تتميماً لذلك وتعليماً للعباد التخلق بأخلاقه جل جلاله ، وفيه أن هذا مما لا محصل له ولا تتم به المناسبة ، وزعم أن الآية الأولى فيها أيضاً إشارة إلى تعليم التخلق بالأخلاق العلية - كما قرره عصام الملة - ورجا أن يكون من الملهمات ، وحينئذ يشتركان في أن كلا منهما متضمناً التعليم المذكور ليس بشيء كما لا يخفى ، ومثل ذلك ما ذكره علي بن عيسى في وجه الاتصال وهو أنه تعالى شأنه لما ذكر أهل النفاق ، وهو إظهار خلاف ما يبطن بيّن جل وعلا أن ما في النفس منه ما يجوز إبطانه ومنه ما يجوز إظهاره ، وقال شهاب الدين : الظاهر أنه لما ذكر الشكر على وجه علم منه رضاه سبحانه ومحبة إظهاره تممه عز وجل بذكر ضده ، فكأنه قيل : إنه يحب الشكر وإعلانه ويكره السوء وإعلانه ، وفيه احتباك بديع . . * ( إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهْ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً ) * . * ( إن تُبْدُواْ ) * أي تظهروا * ( خَيْراً ) * أي خير كان من الأقوال والأفعال ، وقيل : المراد إن تبدوا جميلاً حسناً من القول فيمن أحسن إليكم شكراً له على إنعامه عليكم ، وقيل : المراد بالخير المال والمعنى : إن تظهروا التصدق أوْ تُخْفُوهُ أي تفعلوه سراً ، وقيل : تعزموا على فعله . * ( أوْ تَعْفُواْ عَن سُوء ) * أي تصفحوا عمن أساء إليكم مع ما سوّغ لكم من مؤاخذته وأذن فيها ، والتنصيص على هذا مع اندراجه